37.7 C
Khartoum
الأربعاء, يونيو 10, 2026

همس الحروف .. كيف تضيع الفرص في السودان بسبب موظف جاهل .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

من المؤكد أن الانطباع الأول قد يصنع علاقة طويلة أو يهدمها في لحظة واحدة ، ولهذا نجد إن بعض المؤسسات نجحت لأنها إختارت كودرها وفق منظور علمي ، وخصوصاً الشخص الذي يقابل الزوار عند المدخل ، فخفير المستشفى او الحارس ، أو موظف الاستقبال ، أو فرد الأمن ، او الشخص المسؤول عند المدخل قد يكون سبباً في نجاح المؤسسة أو خسارتها لأنه هو العنوان ، وقد يكون سبباً في ضياع فرصة قد لا تعوض .

أتذكر عندما كان أحد أقاربنا يتلقى العلاج في أحدى المستشفيات الخاصة بالخرطوم ، حضر لزيارتنا والي ولاية الخرطوم آنذاك ليلاً بصفته الشخصية ، وكان برفقته ابن أخته ، حاول الشاب إبلاغ أفراد الحراسة بأن الشخص الذي يرافقه هو السيد الوالي ، إلا أنهم ظنوا أنه يدعي ذلك ، فلم يعيروا حديثه إهتماماً ، لكونهما لا يحملان بطاقات ، ووصلا بعد أوقات الزيارة المحددة ، فتم منع الوالي من الدخول بأسلوب إفتقر إلى المهنية واللباقة ، وهنا لم تكن المشكلة في تطبيق الإجراءات أو الالتزام باللوائح ، ولكن في طريقة التعامل وسوء التقدير ، وهما السببان الرئيسيان اللذان جعلا أسرتنا ترفض التعامل مع هذا المستشفى في المستقبل .

وبعد ساعات قليلة فقط غادرنا تلك المستشفى بلا عودة إلى أخرى ، وقد خسرت المستشفى أسرة كاملة بطيفها الواسع كانت من زبائنها بسبب تصرف موظفين عند البوابة .

هذه القصة الصغيرة تشبه كثيراً ما يحدث في السودان على مستوى أكبر ، فكم من مستثمر عاد أدراجه ، وكم من صاحب فكرة يئس من الطرق المغلقة ، وكم من مشروع واعد دفنته البيروقراطية قبل أن يرى النور ؟ .

قصة المهندس عبد الرحمن ، وهو رجل صاحب خبرة طويلة في العمل الذي يرتبط بالتصنيع ، وهذا الرجل تقدم بمشروع متكامل لإستخراج الوقود من النفايات ، وبصورة خاصة من إطارات السيارات المستعملة وكذلك من مخلفات النخيل و غيرها من النفايات العامة .

المشروع ليس فكرة على الورق ، فهو نتاج تجربة عملية تم إختبارها في إحدى مؤسسات بلادنا الوطنية وأثبتت جدواها ، وقد صمم الرجل نموذجاً مصغراً يتناسب مع الظروف السودانية ، وإستعان بتقنيات وخبرات صناعية لتطوير المشروع بصورة قابلة للتنفيذ .

وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يعالج مشكلتين في وقت واحد ، مشكلة النفايات المتراكمة ، ومشكلة حاجة بلادنا للوقود .

فالإطارات المستعملة تحتوي على نسب كبيرة من المطاط والحديد وأسود الكربون ، 45% ، و15% و30% حسب الترتيب أعلاه ، ويمكن عبر تقنيات التحلل الحراري تحويل الإطارات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية ، تشمل الوقود والغاز ومواد صناعية أخرى ، ولو وجد مثل هذا المشروع الرعاية المطلوبة ، لكان من الممكن أن يساهم في خلق فرص عمل ، وتقليل التلوث البيئي ، وتوفير جزء من إحتياجات البلاد من الطاقة .

لكن المؤلم جداً ، أن صاحب المشروع ، اصطدم بعقبة لم تكن تقنية ولا مالية ، وإنما كانت باباً مغلقاً ، وهي موظف إستقبال قرر أن يمنعه من الوصول إلى المسؤول رغم وجود موعد مسبق ، بحجة الإجراءات والتأمين ، وهنا تتكرر المأساة السودانية المعروفة ، وهي ضياع الفرص الكبيرة بسبب العقليات الصغير التي تتحكم في كل شيء ، وتعطل المشاريع بسبب موظف لا يدرك قيمة (من) و(ما) يقف أمامه .

المشكلة ليست في الخفير أو موظف الاستقبال كأشخاص ، ولكن مشكلة بلادنا تكمن في ثقافة إدارية تجعل بعض الأفراد يتحولون إلى حواجز بين الدولة والمواطن ، وبين المسؤول وأصحاب المبادرات ، فلا بد من فتح الأبواب أمام الأفكار الجيدة ، وإحترام الناس ، وتسهيل الوصول إلى أصحاب القرار ، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروعات يمكن أن تضيف للاقتصاد الوطني قيمة إضافية ، وهذا هو ما يقدم دولتنا إذا قامت مثل هذه المبادرات .

إذا إستمررنا في إهدار الكفاءات وإحباط أصحاب المبادرات ، فلا ينبغي أن نتساءل لماذا تتجه العقول إلى الخارج ، ولماذا تهاجر الاستثمارات إلى دول الجوار ، ولماذا تتقدم الدول الأخرى بينما تبقى دولتنا في مكانها ، فالخسارة ليست بالحروب أو نقص الموارد ، فقد تكون بسبب موظف جاهل لا يعرف قيمة التعامل .

إن السودان لن يخرج من أزماته ما لم يدرك أن إحترام الإنسان ، وتقدير أصحاب الأفكار ، وفتح الطريق أمام المبادرات الجادة ، هي الخطوة الأولى نحو التنمية ، فربما يكون الفارق بين مشروع يغير مستقبل البلاد ومشروع يهاجر إلى دولة أخرى ، يمكن في موظف إستقبال أحسن الإستماع أو أساء إستقبال من يقف أمامه .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا