☘️🌹☘️
تحدثت الأخت والزميلة ، الصحفية والإعلامية المخضرمة الأستاذة حنان عبد الحميد (أم وضاح) ، بعبارات مؤثرة عن معاناة المواطنين في الولاية الشمالية ، لا سيما ما يتعلق بأزمة الكهرباء وما خلفته من آثار قاسية على البساتين والمشروعات الزراعية التي تمثل مصدر الحياة والرزق لآلاف الأسر ، ولا شك أن منظر الأشجار وهي تموت أمام أعين أصحابها أمر مؤلم يعتصر القلوب ، وكما أن رؤية الحقول وهي تفقد خضرتها وحيويتها يوم بعد يوم أمر يدعو إلى الأسى والقلق ، إنها قضية تستحق أن تُوضع في مقدمة الاهتمام ، وأن تُناقش بكل جدية وتركيز لما لها من آثار مباشرة على حياة الناس ومعاشهم .
وهنا يجوز النقد والاحتجاج ورفع الصوت بالمطالبة بالحلول ، فهذا حق مشروع ، وأمر طبيعي في ظل حجم هذه المعاناة التي يعيشها الناس وهم يرون الدمار يمتد إلى مصادر معاشهم وحياتهم .
ولعل أقرب مثال على ذلك أن يكون للمرء مريض يصارع الموت داخل مستشفى تعاني نقص في إسطوانات الأكسجين ، ففي مثل هذه الحالة لن يجلس أهل المريض هادئين يزنون كلماتهم أو يحسبون ردود أفعالهم بدقة ، سنجدهم سيسعون في كل اتجاه بحثاً عن أي وسيلة لإنقاذه ، وقد ترتفع أصواتهم ، وربما يخطئون في تقدير بعض الأمور أو في طريقة التعبير عن مطالبهم تحت وطأة القلق والخوف ، ومع ذلك فإن الناس غالباً ما يلتمسون لهم العذر ، لأن دافعهم الأول والأخير هو الحرص على إنقاذ مريضهم وحماية حياته ، وليس البحث عن المشاكل والخصومة ، أو الدخول في نزاعات مع الآخرين .
ولذلك يمكن فهم حالة الغضب والاحتقان التي يعيشها أهل جنوب الولاية فهم اليوم يشاهدون بساتينهم التي زرعها الاباء ، ومصادر رزقهم تواجه خطر الموت يوم بعد يوم وهم مكتوفي الأيدي .
فالبلاد ما زالت تعيش ظروف حرب مستمرة ، ومفتوحة ، فالحرب بطبيعتها لا تضمن بقاء الخدمات والمرافق الحيوية في وضعها الطبيعي أبداً ، مهما كانت الجهود المبذولة للحفاظ عليها ، فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للكهرباء في الولاية ، هي من تداعيات الحرب ، وهي جزء من الإستهداف المباشر للمرافق الاستراتيجية التي يعتمد عليها مواطنو الولاية الشمالية في حياتهم اليومية ، وخصوصاً أن العدو بدأ الحرب في مروي .
فأزمة الكهرباء في جنوب الولاية تمثل بالفعل (محور) الأزمة الأكبر في المنطقة ، وهي تمتد آثارها لتشمل حالة من الاحتقان والغضب تجاه الأجهزة القيادية والتنفيذية والفنية التي تعمل بصورة متواصلة لمعالجة الأعطال وإعادة الاستقرار إلى الشبكة الكهربائية ، وفي ظل هذه الظروف يصبح الجميع في الولاية عرضة للانتقاد والاستهداف ، لأن الأزمة تمس حياة المواطنين اليومية ومصادر أرزاقهم بصورة مباشرة .
ومن المعروف أن المحول الرئيسي الذي تعتمد عليه المنطقة قد تعرض للاستهداف المباشر أكثر من مرة ، الأمر الذي ضاعف حجم الأضرار وأطال أمد المعاناة ، ويجب أن يعلم أهل الولاية أن هذا المحول تعرض للقصف بعد نحو نصف ساعة فقط من إحتفال الفنيين بإعادة تشغيله ، بعد جهود كبيرة بذلوها لإعادته إلى الخدمة .
ولذلك ينبغي أن يدرك مواطنو الولاية أن تداول المعلومات المتعلقة بالمرافق والمنشآت الاستراتيجية في الفضاءات العامة وعلى المنصات المفتوحة قد تترتب عليه مخاطر وعواقب جسيمة ، ومن هذا المبدأ فإن الحكمة تقتضي التعامل مع هذه القضايا بقدر كبير من التحفظ ، وأن تبقى المعلومات ذات الطابع الاستراتيجي في أضيق نطاق ممكن كلما دعت الضرورة إلى ذلك .
وكما يجب أن يعلم أهل الولايه بأن هناك جهوداً وأعمالاً أخرى كثيرة تجري في هذا الملف لا يمكن الإعلان عن تفاصيلها كاملة في ظل الظروف الأمنية الحالية ، وذلك ليس رغبة في حجب المعلومات ، وإنما إلتزام بإعتبارات تتعلق بحماية المنشآت الحيوية وسلامة الخطط والإجراءات المتخذة والإحترازات الأمنية .
فكل الجهود التي تُبذل غير قابلة للنشر أو التداول في وقت الحرب ، حتى لا تكون أهدافاً للعدو ، ويجب أن يلتزم الجميع بذلك ، لأن بعض الملفات الاستراتيجية تتطلب قدر كبير من التحفظ حتى تحقق أهدافها .
ورغم ما يحيط بهذا الأمر من صعوبات وتعقيدات ، فإن إدارة الكهرباء والكوادر الفنية تواصل عملها بإخلاص وتفاني ، وهي تدرك تماماً حجم الضرر الذي أصاب البساتين والمزارعين ، وظلت قيادة الولاية تتابع هذا الأمر بصورة يومية ، وهي تقوم بكل ما يمكن أن يسهم في إنقاذ قطاع الزراعة وتقليل الخسائر ، وهذا الملف يحتاج إلى تضافر جهود الجميع ، في المؤسسات الرسمية والمجتمعية والأهلية ، حتى يتم تجاوز هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة .
أما ما أثير حول مبنى السرايا وإستخدام جزء منه كمتحف ضمن فعاليات دنقلا عاصمة للسياحة ، فهو موضوع مختلف بطبيعته عن أزمة الكهرباء التي تمس حياة الناس مباشرة ، كما أن الجزء المستخدم في هذه الفعالية ، هو عبارة عن مبنى غير مستغل تماما ، ويعد مهجوراً منذ فترة طويلة ، وتم إختياره لما يحمله من قيمة تاريخية ورمزية .
وإذا كانت هناك ملاحظات تتعلق بتنظيم إمتحانات الشهادة السودانية ، من توفير بيئة أفضل لبعض الطالبات ، فإن ذلك يدخل في إطار المعالجات الإدارية والتنظيمية التي كان من الممكن للإدارة تداركها بسهولة وفطنة في وقتها ، فالطالبات اللاتي جلسن في الخيمة لا يتجاوز عددهن ال30 طالبة من أصل 600 طالبة ، وكان بالإمكان تخصيص أحد المكاتب أو المرافق الإدارية لجلوسهن إذا كانت الفصول المتاحة غير كافية ، وكان من الممكن أن تنتقل الإدارة نفسها إلى الخيمة بصورة مؤقتة حتى تنتهي الإمتحانات ، لذلك فإن هذه المسألة على أهميتها ، تظل من القضايا التنظيمية القابلة للمعالجة والتصحيح ، ومثل هذه الأمور نجدها بصورة شائعة في بعض المؤسسات لعدم توفر الإدارة التي تحسن التقدير .
أما مسألة إستخدام جزء من مبنى السرايا كمتحف في مناسبة محددة ، فمن المهم أن ننظر إلى هذا الموضوع بعيد عن الإنفعال العاطفي ، وأن نتعامل معها بواقعية ، ولا شك أن كثير من الخريجات والطالبات السابقات تربطهن بهذه المدرسة علاقة وجدانية عميقة ، فهي بالنسبة لهن تعتبر جزء من ذاكرتهم الشخصية لسنوات من العمر حافلة بالتجارب والصداقات والنجاحات ، ومن الطبيعي أن تنشأ لديهن رغبة صادقة في أن تظل المدرسة محتفظة بوظيفتها ورمزيتها ، وألا تُستخدم لأغراض أخرى .
غير أن العاطفة وحدها لا تكفي لاتخاذ القرار ، فثمة تشبيه يمكن أن يوضح هذه الفكرة ، إذ نجد في بعض الأحيان ، إمرأة تمتلك كمية كبيرة من المصوغات الذهبية تملأ كلتا يديها وعنقها ، بينما تعاني هي وأسرتها من ضيق الحال ، وعلى الرغم من ذلك تتمسك بتلك المدخرات دون توظيفها في مشروع منتج يعود بالنفع على الأسرة ، ولو أُستثمر جزء من هذه الأصول في مشروع ناجح لأمكن تحسين أوضاع الأسرة مع الاحتفاظ بقيمة تلك المدخرات أو إستردادها لاحقاً من أرباح المشروع ، وكذلك ينبغي النظر إلى مبنى السرايا بوصفه أصل تاريخي يمكن الإستفادة منه بصورة تحقق المصلحة العامة ، مع المحافظة على قيمته الرمزية والتراثية .
غير أن إحترام هذه المشاعر لا يعني أن نجعل العاطفة وحدها هي المعيار للحكم على القرارات العامة ، والمصالح الكلية للولاية ، فمجتمع الولاية يواجه أحياناً متطلبات تفرض الاستفادة من الموارد المتاحة ، والإمكانات المتوفرة بما يخدم المصلحة العامة ، خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية ، ولذلك ينبغي أن يُناقش هذا الأمر بعقلانية وهدوء ، مع التقدير التام والكامل للمشاعر المرتبطة بالمكان ، وفي نفس الوقت يجب ألا تتحول تلك المشاعر إلى عائق أمام أي مبادرة أو مشروع يمكن أن يحقق فائدة للمجتمع ويحافظ على القيمة التاريخية للمبنى ويعيد إليه الحياة وخصوصاً في الجزء الذي تعرض للإهمال وعدم الاستغلال لسنوات عديدة .
الكل يتفهم طبيعة النقد المسؤول الذي يسلط الضوء على المشكلات ، ولكن لا بد أن تُراعي طبيعة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد ، فالمواطن من حقه أن يسأل وأن يطالب بالخدمات ، ومن الواجب كذلك أن يوضح المسؤول المعلومات بشفافية ، وأن يعمل ويستجيب ، ولكن من المهم أيضاً فهم أن الحرب ما زالت قائمة وهي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على كل القطاعات ، وأن كثيراً من المعارك التي تُخاض غير مرئية للرأي العام ، رغم إرتباطها المباشر بحماية الخدمات أو إستعادتها .
فالتحية للزميلة الشفيفة أم وضاح التي قامت بعرض هذه القضية بإحترافيتها المعهودة فيها ، ورفعتها للسطح ، وهنا يبقى الأمل معقوداً بأن تتجاوز الولاية هذه الأزمة ، وأن تعود الكهرباء إلى إستقرارها الكامل ، وتعود البساتين إلى خضرتها المعهودة ، وبإذن الله سيكون تجاوز هذه المحنة خطوة أخرى في طريق الإنتصار وإستعادة الحياة الطبيعية .
ونصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
