42.1 C
Khartoum
الخميس, يونيو 4, 2026

همس الحروف .. مدثر محمد أحمد أيقونة الكرم المقترن باللطافة والظُرف .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

كثير ما نصادف في حياتنا بعض الكرماء ، وقد نصادف كذلك أشخاص يتمتعون بخفة الظل وحسن المعشر ، ولكن من النادر جداً أن تجتمع كل الصفات في شخص واحد ، بالصورة التي تجعل من حضور الشخص في أي مكان متعة ، ومن مجلسه أُنس ، ومن بيته محطة يقصدها الناس قبل أن تدعوهم إليها حاجة ، أو مناسبة .

يحكى أن رجلاً عُرف بالكرم في قريته حتى أصبح علماً من أعلامها ، وكان الناس يقولون في حقه : (إذا ضاقت بك الدنيا فأقصد بيته) ، وفي ذات يوم نزل عليه ضيف في وقت الغداء ، ولم يكن في المنزل سوى دجاجة واحدة فقط ، وقد أعدتها زوجته لأفراد الأسرة ، ولكن عند حضور الضيف قُدمت الدجاجة للضيف ، وجلس صاحب البيت يخدمه بنفسه ، يجيء بالماء تارة ، ويذهب ليحضر الخبز تارة أخرى ، حتى فرغ الضيف من طعامه .

وعندما إنتهى من تناول الطعام قال ممازحاً صاحب البيت : (الحمد لله ، كانت دجاجة طيبة الطبخ ولذيذة ، لكنها تبدو صغيرة جداً) .

فابتسم صاحب البيت وقال على الفور متعحباً : (صغيرة؟!!!) ، والله لقد كانت كبيرة عندما دخلت الى مطبخنا ، ولكنها خجلت من ضيفنا فانكمشت في القدر) .

فضحك الجميع ، وأدرك الضيف أنه لم يأكل دجاجة ، ولكنه أكل وتذوق من معانى الكرم الحقيقي والإيثار .

هذه القصة كثيراً ما تحضر إلى ذهني كلما جلست مع الأخ مدثر محمد أحمد ، ذلك الرجل الذي تضيق مساحات الوصف عند سرد عظيم قيمه ، فالكرم عنده لا ينتهي بالإطعام ، ولكنه يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير حتى يصل إلى حالة كاملة من البشاشة ، والاهتمام ، وحسن الاستقبال ، فمن يدخل بيته يشعر وكأنه الضيف المنتظر منذ الصباح ، وأن جميع أهل المنزل كانوا على موعد معه هو وحده ، فيستقبلون الضيف بترحاب يفوق ما تستطيع الكلمات وصفه ، وبحفاوة تجعله يخجل من كثرة ما يُغدق عليه من إهتمام ، وبشاسة ، وكرم فياض .

والأمر اللافت أن مدثر ليس من أصحاب الثروات الكبيرة ، ولكنه يمتلك شيئاً هو أثمن من المال ، إذ يمتلك غنى النفس ، فعندما تجالسه تشعر أنه رجل قنوع بما عنده ، راض تمام الرضا بنصيبه ، كريم بطبعه بلا بتكلف ، وسخي بروحه قبل أن يكون سخياً بما يملك .

ولعل ذلك ليس غريباً على رجل نشأ في بيت عرفه الناس بالكرم في دنقلا ، فهم في هذا الدرب جيلاً بعد جيل ، وقد ترعرع هنا مدثر في كنف والده الشيخ الوقور ، المقدم معاش ، محمد أحمد إدريس ، ذلك الرجل الكريم ، وصاحب القلب الذي يسع الجميع ، فقد حمل مدثر منه هذه الصفات كما يحمل الأبناء الملامح والطباع الجميلة ، ثم إمتد هذا الإرث إلى أبنائه وخصوصاً إبنه أبواب ، فنرى فيهم ذات الروح وذات البشاشة وذات السجية الطيبة .

أما بيت مدثر ، الرجل الجميل ، ذو الخلق العظيم والوزير الأسبق ، في مدينة دنقلا حاضرة الولاية الشمالية عبارة عن منتدى عامر بالصحبة الطيبة ، فيلتقي فيه أهل الفضل والمعرفة ، والأصدقاء ، وتتجدد عنده المودة ، وتُطرح فيه الأفكار ، وتُروى هنالك الحكايات ، لذلك تجد الكثيرين يتسابقون إلى الحضور إليه ، ليس لسبب سوى أنهم يجدون فيه راحة النفس وجمال الرفقة وصدق المودة .

فوجود أمثال الأخ مدثر محمد أحمد في حياتنا ، والذي يعتبر أيقونة الكرم والجود في الولاية الشمالية ، ويعد مصدر رحمة وطمأنينة ، هو دليل مادي على أن الكرم ما زال قيمة حية عند أهلنا الطيبين ، ولذا من الواجب أن يعلم الناس أن البيوت الجميلة ، ليست أوسعها مساحة ، ولا أكثرها أثاثاً ، أو أفضلها بنياناً ، وإنما هي تلك التي يسكنها أصحاب القلوب الكبيرة ، فنعم البيت بيت مدثر ، ونعم الرجل مدثر محمد أحمد .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا