35.6 C
Khartoum
الثلاثاء, يونيو 2, 2026

همس الحروف .. ما هي قيمة القانون إذا فقد روحه (2) .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في مقالنا السابق الذي كان بعنوان (ما هي قيمة القانون إذا فقد روحه) كبلاغ للرأي العام ، وقد تناولنا فيه واقعة أثارت إهتمام واسع ، وتفاعل كبير بين الناس ، وأصبحت حديث مجالس المدينة ، وهو ما يعكس حساسية هذا النوع من القضايا وأهميتها في مجتمع دنقلا المحافظ ، وقد سعى بعض الإخوة من الضباط التنفيذيين إلى محاولة تبرير ما جرى إستناداً إلى نصوص القانون وأحكامه ، ونحن نُقدر ونثمن حرصهم على الدفاع عن زميلتهم ، فذلك من مقتضيات حق الزمالة ، وأمر يُحمد لهم ، غير أنني أود أن أؤكد لهم أن ما كتبته لم يكن مبنياً على روايات منقولة ، أو معلومات سماعية ، وإنما هي أحداث كنت شاهد عليها بنفسي ، وهو ما قد يكون غائب عن بعضهم حين ظنوا خلاف ذلك .

ومع ذلك فإن مضمون حديثنا لم يكن فيه أي إعتراض على القانون ، او إنكار لحق الدولة في تحصيل الرسوم ، ولكن كان سؤالنا والذي يعتبر (مشروع) في هذا الموضوع عن الكيفية التي مارست بها الضابطة التنفيذية مهامها عندما تحولت المطالبة بالحق العام إلى سلوك بدا أقرب إلى التصرف الشخصي ، الشيء الذي جرد الإجراء من القدر الواجب من الحكمة والإنسانية ، وأفرغ هيبة الدولة من محتواها في تنفيذ (أمر عام) ، وقد ترتب من جراء ذلك حرمان صاحبة المحل من المساحة التي ينبغي أن تظل محفوظة بينهما ، للرحمة والاحترام أثناء تنفيذ أي إجراء رسمي ، وهذه إشكالية لا تقتصر على هذه الواقعة وحدها ، وتتكرر كثيراً لدى عاشقي السلطة ، إذ يمثل ذلك خلل سلوكي عام في بلادنا لدى بعض من يتولون التعامل المباشر مع الجمهور دون تأهيل كافي ، وهو سلوك قد يصدر بصورة شائعة من أي موظف محدود الصلاحيات لأجل إثبات ذاته ، وكنا في السابق نرى هذا مثل هذه الأمور كثيراً عند حراس أبواب المستشفات ، لأن معظمهم من فاقدي مهارات التواصل ، وفهم طبيعة الخدمة العامة .

القانون وضع من اجل حماية المجتمع وتحقيق العدالة ، وليس من أجل إيلام الناس أو إذلالهم ، والعدالة تكتمل إذا مُورست بروح من الحكمة والتقدير للظروف الإنسانية ، فهناك فرق كبير بين تطبيق القانون بوصفه أداة لتنظيم الحياة العامة ، وبين تطبيقه بطريقة تجعل الناس يشعرون بأنه عقوبة قبل أن يكون عدالة ، وهذا ما يولد الأغبان تجاه الدولة .

إن صاحبة المحل ، بحسب ما هو معلوم ، لم تنكر الرسوم المستحقة ولم تعترض على سدادها ، ولم تكن في مواجهة مع الدولة أو القانون ، وهنا نريد أن نتدخل ونطرح سؤال مهم : هل إستنفدت الضابطة كل وسائل الإخطار من تنبيه أو إستدعاء أو غيرها من الوسائل التي يتيحها القانون ؟ ، وهل منحت الفرصة الكافية لمعالجة الأمر قبل الوصول إلى الإجراءات الأكثر قسوة وهي إغلاق المحل ؟ ، وهل اليوم كان مناسباً لذلك ، وهل راعت لظروف العرائس الذين كانوا ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر ، هذه أسئلة نوجهها للمكتب المعني ، وخصوصاً الضابطة المعنية ، نحن نرجو ترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية في كل ما يتعلق بحقوق الناس ومصائرهم ، ونريد أن تعرف الموظفة أن الموت الذي يفر منه الجميع يعطي الإنسان منحة زمنية ، وتسمى ب(بفجة الموت) .

لقد عُرف عن السودانيين وخصوصاً أهل دنقلا عبر تاريخهم بالسماحة والمروءة والتراحم ، وهي قيم لا تتعارض مع القانون ، وإضافة لذلك تمنحه معناه الحقيقي ، وما أحوجنا اليوم إلى إستحضار هذه المعاني في كل موقع من مواقع المسؤولية .

ويكفي أن نتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) ، وهذا الحديث الشريف دعوة عظيمة تضع الرحمة في قلب المسؤولية ، وتجعل الرفق معيار من معايير حسن الحكم .

ثم إن هناك جانب إنساني آخر لا يجوز تجاهله أبداً ، وهو أثر مثل هذه الإجراءات على الأبرياء الذين لا ذنب لهم في النزاع أو المخالفة وهم العرائس الذي حجزوا هذا المكان من قبل شهر أو شهرين ، فكم من أسرة ستتأثر بهذا الإجراء التي لا يليق بهم ، وكم من أحلام ستتعطل لهؤلاء الفتيات ، وكن ينتظرن فرحهن في هذا اليوم ، إذ تفاجأن بقرارات زادت من أيلامهن بدون رحمة .

إننا لا نطلب تعطيل القانون ، ولا ندعو إلى التفريط في حقوق الدولة ، وإنما نطالب بأن يُطبق القانون بروحه كما يُطبق بنصه ، وأن تُصان كرامة الناس كما تُصان هيبة الدولة ، وان يكون من يمثل الدولة بحجم الدولة .

نسأل الله أن يلطف ببلادنا وأهلها ، وأن يرزق كل من تولى مسؤوليتنا ، الحكمة والإنصاف ، وأن يجعل الرحمة والعدل أساس لكل إجراء أو قرار ، فبهما تستقيم المجتمعات وتطمئن النفوس .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا