35.4 C
Khartoum
السبت, مايو 30, 2026

همس الحروف .. من الذي سيمثل وجع السودانيين في دعوة سعادة البرهان للحوار .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

أعدت الاستماع إلي خطاب سعادة الرئيس البرهان مرات عديدة تجاوزت السبع مرات ، لأنني شعرت أن بين كلماته رسائل تحتاج إلى قراءة متأنية ، خاصة فيما يتعلق بحديثه عن الحوار ومستقبل المرحلة القادمة ، فبعض الخطابات يمكن ان يتم سماعها لمرة واحدة ، إلا أن التي ترتبط بمصير الوطن والشعب ، وخصوصاً في هذه الظروف المعلومة للجميع ، فلا بد من الإنصات إليها أكثر من مرة لفهم ما تحمله من إشارات ورسائل مهمة .

حاول الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يبعث هذه المرة برسالة مختلفة من سابقاتها للشعب السوداني ، تتجاوز كل الأصوات المتباينة التي ظلت تصف الحالة السودانية ، فاختار أن يفتح باب الحديث عن حوار (سوداني ـ سوداني) ، بإعتباره أقصر الطرق نحو إنهاء هذه المأساة التي أنهكت البلاد والعباد .

ولعلني كنت من أحد الذين شاركوا من قبل في هندسة مثل هذه الحوارات ، وأعرف جيداً العقلية التي تتم بها الدعوات ، والطريقة التي يتم بها إختيار المشاركين ، ولذلك أقول بوضوح : إذا لم تتجاوز هذه الدعوة الأساليب التقليدية القديمة في تحديد من هم المعنيون بالحوار ، فإننا سنعود مرة أخرى إلى ذات الدائرة المغلقة ، وكأن شيئاً لم يكن .

فأي دعوة للحوار ، مهما حسنت نواياها ، ستظل ناقصة ما لم تجب بوضوح عن السؤال الأهم : من هم الذين سيتحاورون ، ومن الذي سيمثل السودانيين الحقيقيين الذين عاشوا هذه الحرب بكل أوجاعها وتفاصيلها القاسية ؟ .

هل سيكون الحوار مرة أخرى حكراً على النخب السياسية وأصحاب الفنادق والقاعات المغلقة ، أم أن الفرصة هذه المرة سيتم منحها لأولئك الذين صبروا داخل السودان ، وتحملوا الجوع والخوف وإنقطاع الخدمات وإنهيار الحياة ، ونريد ان نتعرف أيضاً على من الذي سيتحدث باسم الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن وهم يقاتلون من أجل تحرير السودان ، ومن الذي سيمثل الأسر التي تعرضت للقتل والتشريد والانتهاكات ، ومن الذي سينقل وجع النساء اللاتي تعرضن للإغتصاب والإنتهاكات على يد المليشيا الغاشمة ، ومن الذي يملك الحق في الحديث بإسم هؤلاء الذين عاشوا سنوات الحرب تحت القصف والرعب ، وظلوا متمسكين بتراب الوطن رغم كل ما جرى ؟ .

ليكن معلوماً للجميع أن الأغلبية التي دفعت الثمن الحقيقي للحرب هي ليست تلك التي تظهر في المنابر السياسية أو خلف عدسات الإعلام ، إنهم أولئك البسطاء الذين ظلوا متمسكين بالسودان رغم كل البلاء ، والذين تحملوا ما لا تتحمله الجبال من أجل أن يبقى الوطن قائماً ، فهؤلاء هم أصحاب الحق الأكبر في أي حوار قادم ، لأنهم هم ضحايا الحرب الحقيقيون وشهودها ، وليس المتفرجين على الأزمة من خلف شاشات التلفزيونات .

أما العودة إلى إسلوب الحوارات التقليدية التي نعلمها ، والتي تُكون دائماً بعقلية المحاصصات السياسية والموازنات والترضيات ، وتقتصر على النخب ذات الوجوه المكررة التي سئم الشعب السوداني من النظر إليها … حتى أصبحنا نرى من البيت الواحد عدة ممثلين ، ومن القبيلة الواحدة نصف الحضور ، فلن تنتج مثل هذه الدعوات إلا في إعادة تدوير الأزمة وإطالة عمر الفشل ، لأن هذه البلد لن ينقذها ذات الوجوه التي ظلت تدور في الحلقة نفسها منذ الإستقلال إلى هذه اللحظة .

فالحوار الذي يبعد أصحاب الوجع عن قضيتهم ، ويتم إختزاله في مجموعات محدودة تتحدث باسم الجميع ، لن يكون أكثر من إستهلاك محلي ومحاولة لشراء الوقت ، وسيقود البلاد مرة أخرى إلى مربع الفشل ، دون أي نتائج حقيقية سوى الحرث في البحر .

نحن اليوم لا نحتاج إلى حوار شكلي تقليدي يتم فيه توزيع المقاعد ، وتتجاذب فيه الابتسامات أمام عدسات الكاميرات ، بقدر ما نحتاج إلى حوار حقيقي يعترف بحجم المأساة التي عاشها السودانيون ، ولذا يجب ان يمنح الذين دفعوا الثمن الأكبر في هذه الحرب فرص حقيقية يُسمع فيها صوتهم ، وكما يحب ألا يتم تجاهل تضحيات الذين صبروا وقاتلوا وفقدوا أبناءهم دفاعاً عن هذا الوطن المكلوم .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا