42.4 C
Khartoum
الأحد, مايو 17, 2026

همس الحروف .. دعوة لإصلاح إداري عاجل في مستشفى دنقلا التخصصي .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في المؤسسات الصحية الكبرى ، ينبغي ألا تبقى المباني بلا معاني ، مهما توفرت فيها الأجهزة المتطورة ، أو تعددت ، أو كانت تكلفتها باهظة ، إذ إن المعنى الحقيقي لأي مؤسسة صحية يُقاس بقدرتها على تقديم خدمة طبية جيدة تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه الشعور بالتعافي ، والأمان ، وتمنحه الثقة .

ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن مستشفى دنقلا التخصصي لا ينبغي أن يُفهم بإعتباره حديث خصومة أو انتقاصاً من الجهود المبذولة ، فهو في الحقيقة حديث نابع من الغيرة على مؤسسة يُفترض أن تكون نموذجاً يُحتذى به على مستوى الولاية والسودان بأسره .

لا أحد يستطيع أن ينكر ما قامت به وزارة الصحة بالولاية خلال السنوات الماضية ، وما ظلت تبذله حتى هذه اللحظة من جهود مقدرة لتعزيز النظام الصحي ، سواء عبر إستجلاب الأجهزة والمعدات أو توفير معينات العمل المختلفة ، وهي جهود تستحق الاحترام والتقدير ، لأنها تظهر حرصاً واضحاً على تطوير القطاع الصحي وتحسين الخدمات العلاجية المقدمة للمواطنين .

لكن وبرغم كل هذه الإمكانات ، تبقى هناك تفاصيل صغيرة في ظاهرها ، لكنها كبيرة في أثرها ، وقادرة على صناعة الفشل ، وجعل كل هذه الإنجازات تفقد قيمتها الحقيقية مهما عظمت ، فالنجاح في المؤسسات الصحية لا يعتمد على البنية التحتية أو الأجهزة الحديثة بقدر ما يعتمد ، قبل كل شيء على الإدارة والانضباط والمتابعة اليومية الدقيقة .

ومن المؤسف جداً أن يتحول مستشفى بحجم ، وإمكانات مستشفى دنقلا التخصصي إلى واحد من أكثر المستشفيات فشلاً ، ومكان شكوى من مواطني الولاية ، وذلك ليس بسبب نقص الإمكانات ، وإنما بسبب الفشل الإداري الواضح ، فالإدارة هي روح أي مؤسسة ، وإذا غابت الإدارة الحقيقية ، تحولت المؤسسة مهما بلغت إمكاناتها إلى جسد بلا روح ، وهذا يمكن تعريفه ب(الموت السريري) .

فإذا ما قارنا بين بعض المؤسسات الصحية الأخرى في دنقلا ، تتضح الفوارق بصورة جلية ، فلو سألني أحد الناس الآن ، أو في أي وقت آخر ، عن مكان وجود العميد دكتور وليد محجوب مدير مستشفى الشرطة بدنقلا ، أو العميد دكتور عاصم عربي قائد المستشفى العسكري بدنقلا ، لأجبت عن مكان وجودهما دون تردد ، وليس ذلك لأنني أتابعهما شخصياً ، ولكن هذه الثقة نابعة من إنضباطهما وإلتزامهما ، إذ أصبحتا سمة واضحة في إدارتهما ، فحضورهما دائم ، ومتابعتهما لمؤسستيهما دقيق ، وإهتمامهما بالتفاصيل واضح جداً ، كما أن تطوير الخدمات الصحية لديهما يتم بصورة مستمرة ، حتى أصبحت مؤسساتيهما تعملان بدقة تشبه دقة الساعة .

وفي المقابل يظل السؤال المؤلم جداً مطروحاً ، أين إدارة المستشفى التخصصي؟ ، وكيف لمستشفى بهذه الضخامة يظهر للناس وكأنه يُدار تلقائياً من ذات نفسه ، دون وجود أي إدارة فعلية حاضرة أو متابعة ميدانية ؟ ، وكيف يعقل أن تمر سنوات طويلة دون أن يتمكن مواطن واحد من العثور على المدير العام في مكتبه بصورة منتظمة؟ ، ويمكنني أن أتحدى أي شخص الآن ، أن يذهب إلى مكتب مدير عام المستشفى التخصصي ويجده موجوداً بمكتبه في أوقات العمل المعتادة .

وقد أصبح التواصل مع الإدارة أشبه بمحاولة الوصول إلى المستحيل ، في ظل غياب واضح للحضور والمتابعة .

فالمشكلة ليست في المباني ، ولا في الأجهزة ، ولا حتى في الكوادر الطبية التي تضم عناصر ممتازة ومؤهلة ، وإنما المشكلة تكمن في غياب الإدارة القادرة على توظيف كل هذه الإمكانات بالصورة الصحيحة ، وحتى التفاصيل المرتبطة بالنظافة والبيئة العامة داخل المستشفى أصبحت محل انتقاد واسع من المواطنين ، وهو أمر لا يليق بمؤسسة يُفترض أن تكون هي الواجهة الصحية والعلاجية للولاية .

وأرجو ألا يُفهم هذا النقد على أنه إساءة لأحد ، لانه هو حديث قلب نابع من المسؤولية تجاه المجتمع ، ومن باب الحرص على هذه المؤسسة التي تمتلك كل هذه المقومات التي تجعلها من أفضل المستشفيات في السودان ، إذا وُضعت تحت إدارة حقيقية تمتلك الحزم ، والانضباط ، والرؤية ، الواضحة .

ومن هذا المنطلق ، فإن الدعوة نوجهها اليوم للسيد وزير الصحة ، ولإدارة الطب العلاجي بالولاية ، وهي ضرورة الإلتفات بصورة جادة وعاجلة لإعادة النظر في إدارة هذا المستشفى ، قبل أن تتفاقم الأوضاع بصورة أكثر من اليوم ، فالمواطن هنا هو الخاسر في النهاية ، ولا بد من وجود إدارة حاضرة على الأرض ، تتابع ، وتحاسب ، وتُصلح الخلل .

كما أن دعوتنا للسيد الفريق أول شرطة أمير عبد المنعم المدير العام لقوات الشرطة ، وللدكتور ساتي حسن ساتي وزير الصحة بالولاية ، تنطلق من قناعة راسخة بأن الكفاءات الإدارية الناجحة قادرة على صناعة الفارق الحقيقي متى ما مُنحت الفرصة والصلاحيات الكاملة ، ومن هذا الباب ، نرجو من سعادة الفريق أول أمير عبد المنعم إعارة الولاية سيادة المقدم دكتور سيف الدين خيري ، المدير الأسبق لمستشفى الشرطة ثاحب البصمة الذهبية ، لما عُرف عنه من كفاءة مهنية وإدارية عالية، وقدرة متميزة على إدارة المؤسسات الصحية بحزم ، وانضباط ، ورؤية واضحة .

وأن يتم منح هذه الشخصية الإدارية ذات الخبرة والمسؤولية إدارة مستشفى دنقلا التخصصي ، مع توفير الدعم الكامل له وعدم التدخل في عمله أبداً ، إذ إنني على ثقة تامة بأنه سيكون سبباً في إحداث نقطة تحول حقيقية لهذا الصرح الكبير .

فإذا توفرت القيادة الرشيدة التي تعرف كيف تدير الإنسان قبل المكان ، وكيف تحول الإمكانات إلى نجاح ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية ، فإن ذلك يُعدّ تحقيقاً للمراد في إنقاذ هذا المستشفى .

وخصوصاً أنه يمثل مشروع أمل كبير ، لكنه يحتاج إلى إدارة بحجم هذا الأمل ، تؤمن بأن صحة المواطن مسؤولية وأمانة أمام الله والتاريخ .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا