اليوم أنعي إليكم أخاً عزيزاً قد كان (ضوء) العين بين صحابي ، أنعي إليكم الشهامة و المروءة ، و قد باتا رهيني جندل و تراب ، أنعي إليكم أخي محمد الحاج عبد الدائم الملك ، الدكتور ، و المهندس المستشار ، و العالم رفيع المستوى ، و الرجل الذي اجتمعت فيه كل الخصال العظيمة التي جعلته فارقاً في عالمه ، و ذو أثر باقٍ في قلوب كل من يعرفه ، فهو معلماً بارعاً ليس في مجال تخصصه الهندسي فقط ، و أنما في الحياة كلها ، إنه الرجل الإنسان الجميل الذي يسع قلبه الجميع بدون فرز ، و الذي كان نسخة خاصة من البشر يسخر جل علمه ، و خبرته في الحياة في خدمة الناس ، و يسعي في هذه الدنيا لا يهدف إلا لنفع الآخرين ، لقد كان حديثه دائماً يفيض بالكلمة الطيبة الممزوجة بالفكاهة التي تُسكن القلوب ، و إبتسامتة المشرقة و المضيئة لأرواحنا ، و التي كانت لا تفارق مبسمه أبداً .
لقد كان القدر على موعدٍ معه ، فكلاهما صادقين ، و لا يخلفا موعداً أبداً ، فلقد سجل بلقاء قدره غياباً حزيناً في دفتر الحضور في هذه الفانية ، فغاب بعده صوت الخير ، و منادي الحق في كل مجال كان يزينه بطلته الحلوة ، و الجميلة ، و إن الحديث عن فقده يطول ، و تعجز الكلمات عن وصف ذلك الفقد ، مهما بلغ عمق المعاني ، فإنها لن تستطيع أن تلامس حقيقة ما يعتمل في قلوبنا من حرقة ، و ألم ، لأن العبارات تتجوف و تخلو من مضامينها أمام ما أصابنا من جلل فقدنا الذي لا يقاس بالكلمات ، ولا يمكن لحنجرة الكلام أن تحمل كل ما يعتصره القلب من ألم الفراق .
لقد كان إنساناً بحق هذه العبارة ، و يحمل وصف هذه الكلمة الدالة على عمق إنسانيتة المجردة بكل ما تحمله من معانٍ ، فلقد كان يعيش لغيره قبل نفسه ، و ينفق من علمه ، و جهده وحكمته في كل لحظة ليُفصح عن روحه الطيبة التي لا تعرف إلا العطاء ، فكان نموذجاً خاصاً لشخصية إفتراضية في فن التعامل ، فهو سعاء إلى جعل الحياة أفضل لمن حوله ، فقد أسهم في بناء العقول ، و رفع الهمم ، و لقد كان سنداً قوياً لكل فاقدي السند ، يمد يد العون دون تردد لمن يطلب ذلك و من لا يطلب ، و كان مرشداً للناس بنصائح غنية بالحكمة ، و هو منكسر أمامهم بتواضعه .
و في مجال عمله ، كان علماً يشار إليه بالبنان في سماء تخصصه ، و شامخا في فضاءات الهندسة ، يقدم مشورات لا تقدر بثمن ، ولقد حقق نجاحات لامعة ، ظلت شامخة و ما زالت تصف جمال روعة هندسة العمارة في دبي و الشارقة و عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة ، جعلته قدوة لأصحاب المهنة ، و لكن أكثر ما كان يميز الدكتور محمد الحاج هو قدرته على التوازن بين الجوانب العلمية و الإنسانية في شخصية بسيطة و مرحة و متكاملة بين النجاح المهني وحب العطاء و التضحية و الإنسانية العميقة .
لقد فقدنا رجلاً عظيماً قدم الكثير ، و رغم مرارة الفقد ، تبقى الذكريات الطيبة ، والكلمات الحكيمة ، و الابتسامة التي لا تُنسى ابداً ، إنها محطات تذكرنا دائماً بما كان عليه هذا الرجل الفذ ، لقد رحل عنا جسداً ، و حرقة فقده في وسطنا لا تتوقف على ذهابه ، و تتجلى روحه في كل لحظة غياب تسجلها ذكرياته في دفتر الحضور ، فذهب و ترك لنا إرثاً ضخماً من القيم التي تتنقل فينا بمعانيها السامية ، و تُلهمنا أن نكون دائماً كما كان ، فهو من زمرة الخيرين الفاعلين في دائرة أكبر من محيط حياته ، فغيابه كان مؤلماً علينا ، لأن قلوبنا الصغيرة كانت مملوءة بحبه ، و فجأة في لحظة صمت تركنا ، و ترك لنا فراغاً ضخماً لا يسده أحد ، و لكنها سنة الحياة ، و إن كانت قاسية جداً علينا ، فهكذا تمضي بنا الأيام ، و لا تلتفت لآلامنا ، و ها نحن نعيش تفاصيل الحياة بقدر ما نعطي ونسهم للآخرين .
أعزي نفسي أولاً قبل أن أعزي أهله فيه ، فرحيل هذا الأخ العظيم قد خلف في قلوبنا ألماً عميقاً ، و حزناً دفن نفسه بين ضلوعنا و توسط صدورنا ، ، و بفقده فقد فقدت جزءاً أصيلاً من روحي ، و جمال إحساسي بطعم الحياة التي كنت أراها دائماً متجسدة في شخصه ، فكيف لي أن أعزي غيري في فقدي ، فلم أستطع حتى الآن أن أواسي نفسي في مصابي ، ، فآاااه من وجع الزمان و قهر القدر ، و عزاءنا في ذلك أن الله أرحم به منّا ، و أنه الآن في جوار رب عظيم ، و رحمن رحيم ، حيث لا فراق هنالك و لا ألم ، و نحسبه من الأخيار و الله حسيبه ، و يقيننا ثابت في رحمة الله بنا جميعا ، و أن الموت ليس النهاية ، بل هو بداية لرحلة عظيمة في دار الخلود .
اللهم اغفر له ، و أرحمه برحمتك التي وسعت كل شيء ، واجعل قبره روضة من رياض الجنة ، اللهم اجعل ما أصابه في الدنيا من تعب ، و من هم ، و ألم ، و مرض كفارة لذنوبه ، وأجعلها رفعة له في الآخرة ، اللهم ثبته عند السؤال ، و أجعل الجنة داره ، و أسألك اللهم أن تجعل وجهه منيراً بنورك يا عظيم السموات و الأرض ، و ان تكرمه بفضلك ، و بسعة رحمتك يا أرحم الراحمين .
أبعث بأحر آيات التعازي لأبنائنا حسام ، و حاتم ، و إيهاب ، و أمجد ، و نزار ، و لإخوانه النصري ، و معتصم ، و فيصل ، و عماد ، و عبد المنعم ، و خالد ، و لزوجته عزيزة و أهلها ، و لأخواته ، و لكل آل الملك بدنقلا ، و إيماني ، و جزيرة بنا ، و لجميع أهله ، و أصدقائه ، و زملاء صبوته و كهولته ، و لكل من يعرف فضله ، و اسأله ان يجعل البركة في عقبه ، و أن ينزل رحمة من عنده على قلوبنا جميعا توازي مرارة فقدنا فيه ، و إنا لله و إنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .
